من خلال العمل في ظلال السوق على الإنترنت، تضع شركات تكنولوجيا متخصصة، ربما لم تَسمع عنها قط، يدها على خزائن هائلة من بياناتنا الشخصية، لتتوصل إلى «تقييم سري من خلال المراقبة»، وهو عبارة عن «صور رقمية» لملايين الأميركيين، من المفترض أنها تساعد على توقع سلوكنا في المستقبل. والشركات تبيع خدماتها تلك في التقييم إلى شركات الأعمال الكبيرة على امتداد الاقتصاد الأميركي. 
وأصحاب التقييم المنخفض يعانون من عواقب وخيمة؛ فالمستهلكون الذين يتوقع أنهم أقل ربحيةً يُجبرون أحياناً على مواجهة فترة انتظار أطول في خدمة العملاء. وشركات التأمين على السيارات ترفع أقساط التأمين بناءً على الدرجات التي احتسبتها باستخدام معلومات مستمدة من برامج الهاتف المحمول التي تتتبّع طريقة القيادة.
والتقييم من خلال المراقبة هو ناتج توجهين؛ الأول هو الجمع الشائع وغير المقيد غالباً بقواعد، لكل جزئية دقيقة عن حياتنا التي يتم جمعها في كل جزء من الثانية، من الهواتف المحمولة والسيارات إلى أجهزة تحميص الخبز واللعب. ووابل البيانات هذا، ومعظمه نقدِّمه طوعاً، يتضمن معلومات عن دخلنا وملامح وجوهنا ونبرة صوتنا وموقعنا المحدد وسجلنا في التسوق وحالتنا الصحية ومعلوماتنا الوراثية وما نبحث عنه على الإنترنت والمواقع التي نزورها ومتى نقرأ بريدنا الإلكتروني والبرامج التطبيقية التي نستخدمها والفترة التي نستخدمها ومتى ننام غالباً، ومتى نمارس تمريناتنا الرياضية وغيرها.
والتوجه الثاني الذي أدى إلى هذه التقييمات هو ظهور تكنولوجيات قادرة على هضم هذه البيانات على الفور. فأجهزة الكمبيوتر تتزايد قوة بسرعة وأنظمة الاتصالات تتزايد سرعةً، مما أدى إلى لوغاريتمات تقييم تستخدم الذكاء الاصطناعي لترتب مكانة كل واحد منها بطريقة ما. والنتيجة تمثلت في قرارات أتوماتيكية بناءً على التقييم الخاص بكل مستهلك، وهذا عملياً لا يمكن تغييره. وهذا لأن العملية برمتها والتقييم نفسه، وأيضاً البيانات التي أقيمت عليها، تخفى عنا. ومن شبه المستحيل معرفة متى أصبح شخص ما ضحية تقييم، ناهيكم عما إذا كان التقييم دقيقاً أو عفا عليه الزمن أو نتيجة تحيز أو برمجة تمييزية لمهندس برامج. ولا يمكن الطعن في هذا.
المراقبة التقييمية تشبه نوعاً ما التقييم الائتماني في ستينيات القرن الماضي. ففي ذلك العصر السابق على الكمبيوتر، كان هناك محققون خاصون يعملون لصالح البنوك وشركات البيع بالتجزئة وشركات التأمين، يتعقبون المستهلك ويفتشون الصحف عن معلومات، مثل مرات الاعتقال والترقيات والهوايات والأفعال التي يمارسها.. ليتقرر بناءً على ذلك مدى استحقاقيته للائتمان. وظل هذا قائماً إلى أن وضع الكونجرس قواعد في سبعينيات القرن الماضي تعطي المستهلكين الحق في مراجعة تقييمهم الائتماني والطعن فيه. وجمع البيانات خلسة هذه الأيام يحصل قطعاً على معلومات أكبر بكثير عن المستهدفين وفي وقت آني. وتأثير التقييم من خلال المراقبة أشد ضرراً بكثير.
وقد زعمت صناعة التكنولوجيا بأن كل تقدم يحسن حياتنا. وهذا غير صحيح، فالتقييم من خلال المراقبة يمكّن الشركات من التستر على مدرسة التمييز القديمة في أجواء من إبهار التكنولوجيا وعصمتها من الخطأ! والتقييم من خلال المراقبة السرية يخلق أسواقاً صغيرة يصبح فيها بعض المستهلكين غير مرحب بهم. والتقييم يقسم الأميركيين إلى «مَن يملكون» و«مَن لا يملكون»، حيث تحل الفئة الأخيرة في مرتبة «مواطن أميركي من الدرجة الثانية». ويحتاج المستهلكون حلاً بمستوى القرن الحادي والعشرين لهذا التهديد الناشئ. والكونجرس الذي تغرقه أموال التكنولوجيا متورط في نمط قانوني عفا عليه الزمن يتمثل في «الكشف» عن سياسات الخصوصية و«الموافقة» من خلال كبسة زر. ولا أحد يدعي أن مفاهيم قوانين التعاقد التي تعود إلى عصر الصناعة ستحقق أي شيء لكبح سرقة البيانات، ناهيكم عن تنظيم أو منع التقييم من خلال المراقبة السرية.
وقد تقدم كاتبا هذا المقال بالتماس إلى لجنة التجارة الاتحادية للتحقيق في التقييم من خلال المراقبة ووضع قواعد لها. واكتفت اللجنة في ردها بمدونة تحث الشركات التي تطور وتطبق عمليات التقييم على تنظيم نفسها. وهذا مجرد أحدث مثال على وقوع واشنطن في قبضة صناعة التكنولوجيا التي مازالت انتهاكاتها المستمرة للخصوصية واعتذاراتها الذليلة ودفع جزاءات غير كبيرة.. تؤكد أن المستهلكين لا يمكنهم الاعتماد على الحكومة الاتحادية في نيل الحماية. والتقييم من خلال المراقبة السرية يضعنا على حافة «تفرد» تكنولوجي كابوسي تُصدِر فيه الآلات أحكاماً على البشر تقرر بها مصيرهم. لذا إما نسيطر على مستقبلنا أو نغامر بفقدانه.

 
هارفي روزنفيلد ولورا أنطوني*

*مدافعان أميركيان عن حقوق المستهلك
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»