ما يحدث في شمال غربي سوريا، أي في محافظة إدلب والأطراف المتاخمة لها شرقاً في حلب، هو مساومات بين لاعبين معروفين، روسيا وتركيا وإيران والولايات المتحدة وأوروبا، قد يمرّون ثنائياً بتوافقات أو خلافات تنعكس مآسي على المدنيين. على سبيل المثال لدى روسيا وتركيا «اتفاق سوتشي» في شأن إدلب، والمعلن عنه روسياً أنه ينظّم عملاً مشتركاً لإخلاء المحافظة من المجموعات الإرهابية وأكبرها «هيئة تحرير الشام/ جبهة النُصرة سابقاً»، وغير المعلن عنه تركياً أن أنقرة سعت إلى إبقاء إدلب منطقة نفوذ لها ولو بتمكين «النُصرة» من بسط سيطرتها عليها. ولدى تركيا تفاهمات مع الأميركيين مكّنتهم من محاصرة زعيم تنظيم «داعش» أبو بكر البغدادي وقتله، ومن توجيه ضربات جراحية لجماعات صغيرة موالية لتنظيم «القاعدة». وأخيراً، لدى تركيا والأوروبيين اتفاق تعويضات مالية لإيواء اللاجئين ومنع مرورهم إلى خارج إدلب.
عندما ضمنت تركيا أواخر 2016 انسحاب مقاتلي المعارضة السورية من حلب ونقلهم إلى إدلب، يُذكر أنها فعلت ذلك بالتفاهم مع روسيا التي افتتحت عندئذ تنسيقاً ثلاثياً ضمّت إليه إيران، وأصبح بعدئذ «ثلاثي استانا» الذي يدير الأزمة السورية. في هذا الإطار هندست تركيا وجوداً داخل الأراضي السورية، أولاً في منطقة «درع الفرات» (غرب النهر) التي طُرد منها «داعش» ثم منطقة عفرين التي هجّر منها الأكراد ثم «نبع الفرات» أو «المنطقة الآمنة» في شمال شرقي سوريا ضد الأكراد أيضاً. أما إدلب فاستقبلت حتى 2018 مقاتلين انسحبوا بضمان تركي من مناطق عدة (غوطة دمشق، درعا، أرياف حماة وحمص)، وتردّد منذ 2016 أن هناك تفاهمات متعددة الأطراف ربطت إبقاء إدلب على حالها بالحل السياسي النهائي للأزمة. لكن ذلك لم يتأكّد، ثم تردّد أن الرئيسين الروسي والتركي تبنيا في «اتفاق سوتشي» (سبتمبر 2018) إقامة إدارة محلية لتطبيع الوضع في إدلب، بمعزلٍ عن الجماعات الإرهابية. وهذا أيضاً لم يتأكّد، رغم أن أوساط المعارضة تداولته، ثم طويت الفكرة بعدما وسّعت «النُصرة» نطاق سيطرتها.
الواقع أن الجانب الروسي منح تركيا الفرصة تلو الأخرى لتنفيذ تعهداتها، لكنه كان يسمح للقوات الحكومية السورية وحلفائها بشن هجمات على إدلب، بل يشارك فيها، لتأكيد أن لديه بديلاً إذا واصلت تركيا التلكؤ. ومنذ أبريل 2019 بدأت الهجمات تحرز تقدماً بطيئاً ثم تسارعت في الشهرين الأخيرين. قبل ذلك شهدت اجتماعات «ثلاثي استانا» تزايداً في الغضب الروسي كان ينعكس تصعيداً ميدانياً، إذ كانت موسكو رفضت عرض أنقرة المشاركة في تأمين الاوتوسترادين (دمشق - حلب واللاذقية - حلب) وشدّدت على وجوب إبعاد المسلحين لتأمينهما. وبعد سقوط خان شيخون ثم معرّة النعمان بقيت سراقب التي تشكّل ملتقى هذين الطريقين، وقد سقطت بدورها من دون قتال وبعدما أخلي سكانها إسوة بالمدن والبلدات التي سبقتها.
ماذا يعني ذلك؟ إمّا أن هناك خللاً في التنسيق بين الروس والأتراك، أو أنهما كانا يتخادعان، وإمّا أن كلّاً منهما فسّر «اتفاق سوتشي» بحسب أهدافه. وتعتقد مصادر سورية عدّة أن موسكو كانت دائماً جادةً في ضرورة عودة إدلب إلى سيطرة الحكومة السورية لكنها كانت مستعدة للمساومة والتأجيل لو برهنت أنقرة أنها قادرة فعلاً على فرز المقاتلين الأجانب وإبعادهم. تضيف هذه المصادر أن موسكو تساهلت مع أنقرة أملاً في تحصيل مكاسب استراتيجية في مقابل الولايات المتحدة إلا أنها ضاقت ذرعاً أخيراً بمطالب تركية لا تنتهي مقابل إنجازات ومكاسب غير كافية.
بعد فشل اجتماع مديرَي الاستخبارات التركي والسوري أيقنت موسكو أن كل ما فعلته لاستقطاب أنقرة لم يقنع الأخيرة بمراعاة السياسة الروسية في سوريا، بل إنها على العكس لا تزال أقرب إلى أطروحات الأميركيين والأوروبيين. ويبدو أن الخلاف على أهداف التدخل في ليبيا باعد بين بوتين وأردوغان. كل ذلك ظهر في إدلب، ومن الواضح أن الوضع الإنساني ليس في حسابات الدول، إذ قتل آلاف المدنيين واقتُلع نحو مليون سوري من بيوتهم.