«لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر»، هو أكثر من كونه عنواناً لكتابٍ، نشر العام الفائت، لأستاذ العلوم السياسية الدكتور الإماراتي عبدالخالق عبدالله، فـ«لحظة الخليج» نظرية سياسية حديثة عن الواقع السياسي العربي.
ونظرية «لحظة الخليج»، تعني انتقال مركز الثقل العربي من الدول العربية إلى دول الخليج العربية، وتأثير الجزء الخليجي على الكل العربي، بأكثر من تأثير الكل العربي على الجزء الخليجي، وهذا التبادل للأدوار فَرض نفسه ولم يُفرض، وحدث من غير أن يكون مقصوداً حدوثه، بل كان نتيجة لنمو خليجي ضخم، مقابل تراجع عربي كبير على مدى نصف قرن.
ويبني مؤلف الكتاب نظريته على شواهد وإحصاءات وأرقام، تنتهي إلى أنّ الخليج ينافس عالمياً، فضلاً عن هيمنته عربياً باكتساح دوله عشرات الجداول المرجعية في الكتاب للقوة والنفوذ والتأثير، من الناحية الاقتصادية والمالية والسياسية والدبلوماسية والاجتماعية والثقافية والمعرفية والإعلامية.
فمثلاً، يأتي مطار دبي الدولي الأول عالمياً كأكبر مطار دولي يستقبل المسافرين، ويشكّل الناتج المحلي للسعودية والإمارات 42% من إجمالي الناتج المحلي العربي، ولا توجد دولة عربية غير الإمارات ضمن قائمة أهم 30 قوة ناعمة في العالم، وتأتي الدول الخليجية الست كأول ست دول عربية من حيث نسبة التعليم بين البالغين، وتوجد 5 دول خليجية من ضمن أعلى 10 دول عربية في مؤشر المساواة وتمكين المرأة.
وتأتي دبي السابعة عالمياً من حيث أكثر المدن العالمية تأثيراً، وفي الصدارة عربياً، ويعد معرض الشارقة للكتاب الأول عربياً والرابع عالمياً، وتمثل نسبة الجوائز الثقافية والأدبية الخليجية 68% من إجمالي الجوائز العربية، وضمن أفضل 20 جامعة عربية توجد 10 جامعات خليجية، والسعودية الأولى عربياً من حيث براءات الاختراع المسجلة، تليها الإمارات، وتأتي خمس دول خليجية في الترتيب العربي لمؤشر تقانة المعلومات.
ولعل الثقل الخليجي عربياً أوضح ما يكون على المستوى الإعلامي، بأهم جريدتين، وأهم مجلة نسائية، وأهم مجلة علمية، وأهم ثلاث فضائيات إخبارية، وأهم قناة وثائقية، وأهم القنوات الرياضية، وأكبر قناة ترفيه ودراما تأثيراً في الذوق العربي، وأكثر قناة غنائية صانعة للنجوم، وفي دبي يوجد أكبر تجمع إعلامي عربي سنوي، وأهم جائزة صحفية عربية، وأكبر مدينة إعلامية حرة.
ورغم كل ذلك وغيره، مما لا يتسع المقام لذكره، يؤكد المؤلف أن الحالة الخليجية ليست وردية في البستان العربي القاحل، فثمة غيوم تحول دون السطوع الكامل لشمس الخليج في السماء العربية، أبرزها مشكلات الخلل السكاني الكبير، والتأثير الواضح للعولمة.
وكشأن النظريات، تكشف نظرية «لحظة الخليج» العلاقة بين هذا الحضور الخليجي الطاغي عربياً والأسباب التي أدت إليه، أي أن النظرية تحاول أن تجيب بأسس علمية على السؤال الآتي: لم يحدثُ ما يحدث؟
وراعى المؤلف حساسية الموضوع، فأكد أن رصد بروز الخليج «لا ينم عن أي شعور بالاستعلاء تجاه محيطه العربي»، لكن لم يبق جزء عربي مستقر ومزدهر نسبياً إلا الجزء الخليجي، وكان لا بد له من «استلام القيادة لحماية ما يمكن حمايته، وإعادة الحد الأدنى من الأمن والاستقرار والازدهار والاعتدال،‏ إلى كيان عربي منهك ومفكك ومحبط وفاقد للأمل».

*كاتب إماراتي