مما لا شك فيه أن أحد أهم الإنجازات التي نجح الجنس البشري في تحقيقها خلال القرن الماضي، هي زيادة متوسط العمر أو مؤمل الحياة لأفراده، بمقدار الضعفين، وفي أحياناً كثيرة ثلاثة أضعاف. فالطفل الذي يولد حالياً، يتوقع أو يؤمل أن يعيش لفترة تبلغ ضعفي أو ثلاثة أضعاف مؤمل الحياة للطفل الذي ولد قبل مئة عام.
هذا النجاح، والمرتكز في الجزء الأعظم منه على اكتشافات واختراقات طبية، وخصوصاً على صعيد مكافحة الأمراض المعدية، وعلاج العديد من الأمراض المزمنة غير المعدية، مثل أمراض القلب والشرايين والأمراض السرطانية، حمل أيضا في طياته تبعات سلبية متعددة الجوانب، مثل ظاهرة تشيخ المجتمعات وتأثيراتها على التركيبة السكانية والديموغرافية، وزيادة العبء المرضى بسبب ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المصاحبة للشيخوخة، وتراجع نسبة الأيدي العاملة المنتجة بالنسبة لأعداد المتقاعدين وكبار السن.
ومن بين تلك الأمراض المصاحبة للشيخوخة، والمرتبطة ارتباطاً وثيقاً بها، الحالة المعروفة بخَرَف أو عَتَه الشيخوخة، والتي زادت معدلات الإصابة بها بدرجة هائلة خلال العقود القليلة الماضية، لدرجة أن البيانات والإحصاءات تظهر وقوع إصابة بعته الشيخوخة كل ثلاث ثوان، ليصل عدد المصابين بتلك الحالة -التي لا علاج لها- إلى 50 مليون مصاب عام 2017، مع التوقع بتضاعف هذا العدد ليصل إلى 75 مليون بنهاية العقد القادم، وإلى أكثر من 130 مليون بحلول عام 2050.
ومثلها مثل باقي الأمراض المزمنة غير المعدية، سيقع الجزء الأكبر من هذه الزيادة المتوقعة في الإصابات في الدول النامية، والتي يوجد بها بالفعل حالياً 58 في المئة من الحالات، مع التوقع بأن تزداد هذه النسبة إلى 68 في المئة بحلول عام 2050، وخصوصاً في الدول التي تشهد نمواً متسارعاً في الفئات العمرية الأكبر سناً، مثل الهند، والصين، وباقي دول جنوب آسيا، ودول غرب المحيط الهادي.
وبوجه عام يستخدم مصطلح العَتَه أو الخَرَفُ (Dementia) كمظلة واسعة يندرج تحتها عدد من الأمراض التي تؤثر على الذاكرة، والسلوك، وغيرهما من القدرات الذهنية، بدرجة تعيق المصاب عن القدرة على القيام بالنشاطات اليومية المعتادة. ورغم أن التقدم في العمر يعتبر من أهم عوامل الخطر للإصابة بالخَرَفُ، فإن الخَرَفُ لا يعتبر مساراً طبيعياً للشيخوخة، بمعنى أن التقدم في العمر لا يؤدي بالضرورة للإصابة بالخَرَفُ. ويعتبر مرض الزهايمر أكثر أنواع الخَرَفُ انتشاراً، وبنسبة ما بين 60 إلى 70 في المئة من إجمالي الحالات، إلا أنه ليس بالمرض الوحيد المندرج تحت منظومة العَتَه أو الخَرَفُ.
وبالنظر إلى مدى انتشار هذا الاضطراب، يعتبر الخَرَفُ من الأسباب الرئيسية للإعاقة بين كبار السن، ولاضطرارهم للاعتماد على الآخرين في حياتهم اليومية. ولذا يحمل الخَرَفُ في طياته ثمناً فادحاً، ليس فقط على الصعيد البدني، والنفسي، والاجتماعي، وإنما أيضاً على الصعيد الاقتصادي، على المصابين، وعلى من يتولون رعايتهم من الأهل والعائلة، ومن ثم على المجتمع برمته. وتقدر المنظمات الدولية أن تكلفة توفير الرعاية للمصابين بعته الشيخوخة حول العالم، تزيد حالياً عن تريليون دولار، أو ما يعادل تقريبا 4 آلاف مليار درهم.
وبخلاف تلك الإعاقات، أصبح عَتَه الشيخوخة من أهم أسباب الوفيات على المستوى الدولي، حيث تُظهر إحصائيات منظمة الصحة الدولية تضاعفاً في عدد الوفيات الناتجة عن خَرَف الشيخوخة، لتحتل المركز الخامس على قائمة أسباب الوفيات بين أفراد الجنس البشري. وفي بعض الدول، وخصوصاً الغنية والصناعية، يحتل حالياً خَرَف الشيخوخة المرتبة الأولى على قائمة أسباب الوفيات. ففي انجلترا وويلز مثلا، يشار إلى عته الشيخوخة في واحدة من كل ثمان من شهادات الوفيات، وهو ما حدى بإحدى الجهات الخيرية البريطانية العاملة في مجال مرض الزهايمر (Alzheimer's Research UK)، لإطلاق تحذير نهاية الأسبوع الماضي، بأن عته الشيخوخة كقضية صحة عامة، أصبح أهم وأكبر تحدي يواجه نظام الرعاية الصحية.
وللأسف، على عكس العديد من الأمراض المزمنة غير المعدية الأخرى، لا يوجد حالياً علاج لعته الشيخوخة، أو حتى لتخفيف أعراضه والإبطاء من تدهور حالة المصاب، كما لا توجد تدابير أو إجراءات فعالة، يمكنها تحقيق الوقاية من الإصابة من الأساس. ويعود السبب في ذلك إلى حد كبير إلى حقيقة أن الطب الحديث لا زال عاجزاً عن فهم طبيعة وأسباب هذا المرض، والذي لا يزال بعد مرور أكثر من مئة عام على توصيفه لغزاً يحير الأطباء والعلماء.