في الوقت الذي تعاني فيه العلاقات الأميركية الصينية من متاعب بسبب التجارة، والملف الكوري الشمالي، والأمن في مياه بحر الصين الجنوبي المتنازع عليها، وقضايا فرعية أخرى، دخلت تايوان كعامل إضافي للتوتر، وذلك بسبب الدعم الأميركي لحكومة «تايبيه»، التي تعتبرها بكين زمرة منشقة. والجدير بالذكر في هذا السياق أن واشنطن على خلاف التزامها المعلن بمبدأ الصين الواحدة مستمرة في تزويد تايوان بالأسلحة (كان آخرها صفقة بمبلغ 330 مليون دولار في سبتمبر المنصرم)، كما أن الكونجرس الأميركي مرر في مايو الماضي تشريعاً يتيح للمسؤولين الأميركيين زيارة تايوان والالتقاء بنظرائهم وذلك من أجل «ضمان ألا تشيح المنظمات الدولية وجهها عن تايبيه استجابة لتكتيكات بكين» كما قيل في حيثيات التشريع. وعلاوة على ما سبق افتتحت إدارة الرئيس دونالد ترامب في 12 يونيو المنصرم مجمعاً جديداً ضخماً في تايبيه ليقوم بمهام سفارة أميركية غير رسمية، وكان اللافت حجمه الذي تضاعف ثلاث مرات عن حجم المبنى القديم.
وبطبيعة الحال فإن كل هذا يقلق القيادة الصينية التي قررت الرد بطرقها الخاصة، محاولة تشديد العزلة المفروضة على تايوان منذ اعتراف واشنطن ببكين في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر سنة 1979. وقد تجلت ردود الأفعال الصينية هذه في قرارات منها: الضغط على بعض الدول القليلة التي تقيم علاقات دبلوماسية مع تايبيه كي تقطع علاقاتها بالأخيرة، وقد نجحت في مسعاها هذا بدليل خسارة تايوان لعلاقاتها مؤخراً مع كل من بوركينا فاسو وجمهورية الدومانيكان، وهو ما وصفته حكومة تايبيه بالأمر المؤسف الناجم عن «دبلوماسية الدولار» التي تتبعها بكين لشراء ولاءات الدول غير السائرة في فلكها، الضغط على الشركات الأوروبية واليابانية الكبرى التي تتعامل مع تايوان ولديها مقار وفروع فيها كي توقف أنشطتها هناك تحت طائلة عدم السماح لها بدخول الأسواق الصينية، الضغط على نحو 44 شركة من شركات الطيران العالمية بهدف إيقاف تعاملاتها مع مطار تايبيه الدولي والخطوط الصينية الوطنية (الناقلة الرسمية لتايوان)، منع تايوان من المشاركة كمراقب للسنة الثانية على التوالي في المؤتمر السنوي لمنظمة الصحة العالمية، وبهذا حرمت الصين نحو 23 مليون تايواني من المعلومات التي قد تساعد في تقييد انتشار الأوبئة، فرض غرامات مالية على الشركات التي تستخدم كلمة «تايوان» في إنتاج وتغليف وتسويق منتجاتها، على نحو ما حدث مع شركة «موجي» اليابانية المتخصصة في إنتاج علاقات المعاطف، مطاردة أي جهة ترفع العلم التايواني في أي حدث وإن كان حدثاً محلياً صغيراً.
تعليقاً على هذه الإجراءات الصينية قال نائب وزير الدفاع التايواني السابق «تشونغ بين لين» إن بكين تمارس حرباً نفسية علينا في محاولة منها لردعنا عن توجهاتنا الاستقلالية، وذلك في إشارة إلى توجهات زعيمة الحزب الديمقراطي التقدمي «تساي إينغ وين» الاستقلالية منذ انتخابها رئيسة لتايوان في سنة 2016. وهذا صحيح لأن قادة بكين، في الوقت الذي يقومون فيه باستخدام أساليب الضغط مع تايوان خوفاً من قيام رئيستها بتحريض من واشنطن بالإعلان رسمياً عن استقلال تايوان، يقومون أيضاً بإجراءات تدعم فكرة تبعيتها للصين وتزيد من ارتباطها بالوطن الأم. من هذه الإجراءات قيام السلطات الصينية بإصدار ضوابط وتعليمات تستهدف مساعدة أولئك التايوانيين الذين يرغبون العمل كمدرسين أو أطباء، أو إقامة المشاريع التجارية والصناعية في البر الصيني.
ويرى المراقبون أن محاولات بكين فرض إرادتها على تايوان وجاراتها الآسيويات الأخريات تمثل أفضل ذريعة لإدارة الرئيس ترامب كي يتخذ من تايوان مرتكزاً لسياسات الولايات المتحدة المضادة للصين. لكن كيف ردت تايبيه على الإجراءات الصينية ضدها؟ الحقيقة هي أن "تايبيه"، بحجمها الصغير ومقدراتها المتواضعة وعلاقاتها الدولية المحدودة، لا تملك خيارات كثيرة لمواجهة التنين الصيني سوى مواصلة الاعتماد على دعم الحليف الأميركي مثلما كانت طوال تاريخها، واستثمار التدهور والتوتر الحاصل اليوم في العلاقات الأميركية الصينية لصالحها، رغم الحذر الذي يبديه البعض حول الاعتماد المكثف على واشنطن من منطلق أن الأخيرة قد تبيع تايوان إذا اقتضت مصالحها عقد صفقة مع بكين.
وقد شهدنا كيف أن الرئيسة «تساي إينغ وين» أشرفت بنفسها في يونيو المنصرم على مناورات عسكرية لقواتها في مدينة «تشايتشونج»، تضمنت عملية محاكاة لصد غزو خارجي واستخدمت فيها لأول مرة طائرات من دون طيار يشغلها مدنيون. وفي هذه المناسبة ألقت الرئيسة كلمة أكدت فيها أن فاعلية وجاهزية قواتها هي الضامن الأساسي لأمن تايوان القومي، وركيزة ازدهار المجتمع، والقوة الداعمة لقيم الحرية والديمقراطية. وقد كررت الرئيسة التايوانية، التي ينتظرها استحقاقاً انتخابياً قريباً وتواجه انتقادات من بعض المتشددين داخل حزبها بسبب تجميدها لقرار إعلان استقلال تايوان، هذا الكلام في الثاني عشر من أغسطس الماضي حينما كانت تستعد لمغادرة بلادها للقيام بزيارة رسمية لاثنتين من الدول التي لا زالت تقيم علاقات دبلوماسية مع تايوان وهما «بليز» في أميركا الوسطى، وباراجواي في أميركا الجنوبية. حيث قالت بنبرة تحمل التحدي: «نحتاج أن نكون حازمين، وبالتالي لا يستطيع أحد محو بلادنا»، مضيفة:« بالسفر إلى الخارج يمكن للعالم بأسره رؤية تايوان.. رؤية بلدنا، وكذلك دعمنا للديمقراطية والحرية».