من النادر أن تجد على الساحة الدولية، نحو 22 دولة مثل الدول العربية، متجاورة حدوداً، متقاربة أو متحدة في اللغة والتاريخ والتراث والدين، متخبطة حائرة شبه يائسة رغم ذلك، بسبب التجارب المريرة للخروج من متاهة الوطن، القومية، الدين، والرسو الكامل قلباً وقالباً في هذه الموانئ، وحل مشكلة الهوية المشتركة إلى الأبد. أزمة هوية مجتمعات العالم العربي اليوم تتجدد في كل مكان من المحيط إلى الخليج، بعد قرابة قرن من ثورة الشريف حسين في الحجاز لبناء أول مملكة عربية حديثة، وبعد اجتياح شامل للمد القومي العروبي انحسرت المشاعر الجياشة، وعادت نخب وجماهير العالم العربي، تكاد تردد ما قاله د. شفيق ناظم الغبرا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت، عندما تساءل حائراً عن «معنى أن نكون عرباً»؟ وملاحظاً، مثل الكثرين منا، أن «في الشخصية العربية اليوم تداخلات كبيرة، وعوامل قلق متواصلة يشعر بها كل عربي، كما يعيشها كل مسلم، فمن نحن في بلداننا العربية؟ في المرحلة القومية، تبين مع الوقت أن وحدة العرب السياسية ليست ممكنة في المدى المنظور، وأن ما يفرقهم هو الآخر كبير، بغض النظر عن أسبابه المحلية والخارجية، بل تبين أن الوحدة التي تقوم على العصبية ورفض الآخرين من سكان المنطقة، سواء أكانوا أكراداً أم بربراً أم إيرانيين أم شركساً أم آشوريين، هو الآخر يضعف القومية العربية بصفتها الجامعة». وأضاف د. الغبرا منتقداً المسيرة القومية: «في أوج تطورها تصادمت القومية العربية مع المشاعر الوطنية والقُطرية والمحلية. وقع التيار القومي العربي في أخطاء الفرز، ووجد نفسه يسبح في بحر لا يستطيع أن يوحد كل مياهه وسط تداخلات دولية وإقليمية. لكن منذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، بدأ يحل الإسلام السياسي مكان التوجهات السابقة. لكن الحركات الإسلامية هي الأخرى حملت معها تناقضات جديدة، وأثارت أسئلة جديدة حول الهوية والانتماء والوطنية. ففي بعض أبعادها عمقت الحس الطائفي بين العرب وبين المسلمين، وفي أبعاد أخرى أدت إلى حالة من الانغلاق على الذات والابتعاد عن الآخر، وقد سارت التيارات الإسلامية في طرق مختلفة ومتناقضة أحياناً». عايش العالم العربي إذن بموجب هذا التحليل نوعين من المسارات العقائدية، أو «التيارات العابرة للأوطان»، كما يصفها د. الغبرا، وقد تكون «مهمِّشة» أو «مهشّمة» للأوطان! إن خطورة هذه التيارات لم تختف، بل إنها، يقول «في صعود مستمر» وبذلك تعيق في الواقع نضج الدولة الوطنية والتجربة القطرية. والأسوأ أن الدولة العربية، وهي تحاول القيام بالحد الأدنى من مستلزماتها المحلية والدولية، «لا تستطيع الحفاظ على وجودها خارج سياق التوازن مع العمق الإقليمي والعربي، وخارج التوازن مع التيارات الإقليمية بصورتها القومية والوطنية والإسلامية. وبات واضحاً أن الدولة الوطنية هي الأخرى لا تستطيع أن تسبح خارج النسق الإنساني والعالمي في كل ما يتعلق بقيم الإنسان والحقوق والعمالة والعولمة والاقتصاد». مثل هذه الضغوط، يعتقد د. الغبرا، ربما هي المسؤولة عن «فشل الدولة في اليمن والسودان والجزائر، وآفاق امتداد هذا الفشل لدول عربية عدة.. ذلك كله يعبر عن أزمة الدولة الوطنية العربية. هل يعني ذلك أن العالم العربي سيبقى ضحية أزمات تتلوها أزمات؟ الإجابة صعبة» د. مروان المعشِّر، وزير خارجية الأردن السابق، كتب أن العالم العربي اليوم بين فكي الكماشة التي تتحكم بالمشهد السياسي. «في الوطن العربي، اليوم قوتان أساسيتان، هما: إما المؤسسة السياسية المتجذِّرة التي تحكم من دون نظام للضوابط والتوازنات، وإما المعارضة الإسلامية التي تدعو إلى الإصلاح، لكنها أحياناً تكون مسلحة أو متشددة، ويعد التزامها المستمر بالتنوع السياسي موضع شك في الكثير من الحالات». طارق الحميِّد، كتب تحت عنوان متفجع، «من يكترث بالعروبة اليوم»؟ 2010/10/22، قبل انطلاق «ثورات الربيع العربي» بقليل، يقول: «في تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، سجل المراسل ملاحظة مهمة عن ضعف تأثير كلمة «عروبة» في منطقتنا أمام تنامي الحركات الإسلامية. ويعلق «الحميد» قائلاً: «يكفي أن تتأمل التحالفات بين أهم مكونات الإسلام السياسي. وأبرز أقطاب ذلك التحالف الثورة الخمينية، ويكفي ما تفعله اليوم في العراق ولبنان. وهناك «الإخوان»، وأبسط رمزية هنا البيعة التي تعطى للمرشد العام، في تناقض واضح مع البيعة للحاكم». ويضيف و«الإخوان بالطبع لا يؤمنون بالوطن، وإنما بالأمة الإسلامية، ولذا قال مرشدهم ذات مرة طز في مصر. وهناك أيضاً تنظيم القاعدة الذي لا يعترف بالدول والحدود، فعندما يريد التنظيم الإشارة إلى السعودية مثلاً نجده يقول جزيرة العرب». ولعل أهم ما قام به «الحميد»، تذكير القراء بتصريح نشره «نصرالله» زعيم حزب الله عام 1986 بعنوان «لا نؤمن بوطن اسمه لبنان»، يقول فيه: «لا نؤمن بوطن اسمه لبنان، بل بالوطن الإسلامي الكبير. إن لبنان وهذه المنطقة للإسلام والمسلمين، ويجب أن يحكمها الإسلام والمسلمون. ليس لدينا مشروع نظام بلبنان، علينا أن نزيل الحالة الاستعمارية الإسرائيلية، وحينئذ يمكن أن ننفذ مشروعنا الذي لا خيار لنا في أن نتبنى غيره، لكوننا مؤمنين عقائديين، وهو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وألا يكون لبنان جمهورية إسلامية واحدة، وإنما يكون جزءاً من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان -أي المهدي المنتظر- ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني. وأنا لا يمكن أن أبقى لحظة في أجهزة حزب الله إذا لم يكن لديّ يقين بأن هذه الأجهزة تتصل عبر مراتب بالولي الفقيه». سنة 2010، كان «حزب الله» قد غير شعاراته وخططه في لبنان! «وبينما كان يطالب قبل 25 عاماً بإقامة دولة إسلامية على غرار إيران، فإن «حزب الله» يشارك الآن في النظام السياسي الطائفي السائد. وشأنه شأن جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر وحزب «العدالة والتنمية» في تركيا، فإن الحزب يساعد في تمثيل طبقة وسطى صاعدة في المنطقة.. إنهم ليسوا ضد الدولة في كل شيء. الشيء الوحيد هو أنهم يريدون إدارة الدولة بطريقتهم الخاصة». تلاعب التيارات القومية والدينية والإقليمية والطائفية بالمصير اللبناني خاصة مزق المجتمع وعرقل مسيرته وجعل بعضه عدواً للبعض الآخر. «ليس في العالم وطن تحوّل عبئاً على أبنائه.. كلبنان»، كتب وليد أبي مرشد في «الشرق الأوسط»، وأضاف معبراً عن آلام الكثير من اللبنانيين والعرب وهم يرون دولة بجمال لبنان وروعتها تتمزق، ويُساق شعبها بالهجرة والعذاب إلى مصير مجهول: «ليس في العالم شعب همه الأول التخلي عن هوية «وطنه» والبحث عن جنسية حضارية أخرى كالشعب اللبناني. ليس في العالم بلدٌ «يصدِّر» آباؤه الأبناء إلى الخارج خوفاً على مصيرهم في الداخل، مثل لبنان. ليس في العالم دولة يحتاج كل تبديل حكومي فيها إلى تدخل خارجي على أعلى المستويات، وكل تعديل دستوري إلى قمة إقليمية». الصراعات السياسية والعقائدية على قضايا وشعارات لا علاقة لها بمستلزمات بناء لبنان والارتقاء بشعبه، سرقت المستقبل من شعب لبنان، كما من العراق وسوريا ومصر والسودان ودول عربية أخرى. في «مخيم شاتيلا» للاجئين الفلسطينيين في لبنان، والتي غطت جدرانها ذات يوم صور ياسر عرفات وحركة فتح عام 1982، حلت الصور والشعارات الدينية وأبطال الإسلام السياسي محل الصور والشعارات القومية والوطنية. تقول الصحيفة، «تنتشر هذه الملصقات -من قبل «أمة محمد»- في الشوارع الضيقة، حيث يلعب الأطفال الفلسطينيون في مقالب القمامة من دون أن يكون لديهم أمل في العودة إلى أرض أجدادهم». وبمضي «أنتوني شديد» في رسم ملامح ذلك المشهد الفلسطيني في مخيم بلبنان فيقول: «في محل البقالة الخاص به، جلس غسان عبدالهادي، وهو أب لأربعة أطفال. في الشارع كان هناك استنكار للسلطة الفلسطينية لكونها «خادمة لأميركا». وأشاد تاجر آخر بحزب الله، لأنه تحمل تكاليف العملية الجراحية التي كان والده بحاجة إليها. وغسان عبدالهادي الذي لا ينتمي إلى فكر معين، أعرب عن أمله في الخير. على الرغم من أنه كان في الواقع يخشى وقوع الأسوأ وقال، عندما لا يقف أحد بجانبك، عليك أن تتوكل على الله. ضع ثقتك فيه وأنت تواجه ما يخبئه لك القدر». بدأت مع «الإسلاميين» مرحلة أخرى من الشقاء الفلسطيني والعربي! لماذا قدمت شعوب العالم العربي كل هذه التضحيات على امتداد «العقود التسعة» الماضية، وتجشموا كل هذه الخسائر في سبيل أفكار غير واقعية وشعارات لا علاقة لها ببناء أوطان حديثة؟ هل كان من الممكن يوماً على سبيل المثال، بناء كتلة عربية موحدة عصرية، دون النهوض بأجزائها ومفرداتها وعناصرها «الإقليمية»، كما سميت بكل استعلاء واحتقار؟ والآن، هل الجماهير والنخب العربية أعمق فهماً لدروس الماضي وتجاربه المضنية؟ هل التيار الإسلامي مثلاً درس جيداً الحركات القومية وأسباب تعثرها؟ سأتحدث عن ظاهرة واحدة فقط، تاركاً الحكم للقارئ! لقد نما التيار القومي وتشكلت أحزابه لتوحيد العالم العربي وبناء الدولة العربية الواحدة الكبرى. ولكن التيار انقسم إلى تيارات، والحزب تشظى إلى أحزاب حتى فشلت كل اللقاءات والاجتماعات في توحيد.. الحزب القومي الوحدوي! وانطلق الإسلام السياسي عام 1928 ثم بعد «نكسة يونيو» 1967 ورحيل عبدالناصر، ثم بعد نجاح ثورة 1979 الإسلامية في إيران وغير ذلك من مراحل. فهل تجنب الإسلام السياسي الانقسام السياسي وتعددية الأحزاب وغموض الأهداف؟ وهل فكرته في إقامة «النظام الإسلامي» و«دولة الخلافة» والتي في سبيلها تُزلزل الأحزابُ الإسلامية الدول والحكومات والتجارب العربية اليوم.. أقرب للواقع وأكثر قابلية للنجاح؟ متى، كما يقول المثل الشعبي، ينتهي تعلُّمُ الحلاقة برؤوس اليتامي؟ خليل علي حيدر كاتب ومفكر - الكويت