ناقش "المجمع الفقهي الإسلامي" التابع لرابطة العالم الإسلامي، في دورته (18) في مكة المكرمة، جملة من القضايا المعاصرة، منها (9) أنواع من عقود الزواج المستحدثة، وهي زواج "المسيار" و"المقيد بالإنجاب" وبـ"شرط الطلاق" و"العرفي" و"السر" وبـ"نيّة الطلاق" و"المدني" و"الأصدقاء- فريند" و"الزواج المؤقت"، إضافة إلى قضايا أخرى، مثل "حق المرأة في الخلع" و"تحديد جنس الجنين" ومعاملات مصرفية مثل فسخ الدين بالدين.
وقد اجتمع (60) عالماً على مدى (4) أيام، وناقشوا (31) ورقة بحثية، وذلك في الفترة من 8-12 أبريل 2006، وقد توصلوا إلى جملة قرارات، منها، جواز "المسيار" و"الأصدقاء". ومعروف أن هذه القضايا مثيرة للجدل فقهياً واجتماعياً. وكان الشيخ الزنداني قبل عدة سنوات أباح زواج الأصدقاء للشباب المغترب كبديل عن "البوي فريند" و"الجيرفريند" وسمي حينئذٍ بـ"زواج فريند"، وهو زواج مستوفٍ للأركان غير أنه يخالف الأعراف السائدة في البلاد العربية. ولكن إباحة المجمع الفقهي لزواج "المسيار" أثارت ردود فعل واسعة، إذ عارضه علماء ومشايخ في الكويت، وصرّحوا في أحاديث نشرتها "الوطن" الكويتية بـ"ضرورة سد باب الذرائع أمام المنحرفين، لاستغلال هذا النوع من الزواج الذي لا يحقق مقاصد الزواج الشرعي والذي يهدف لتكوين أسرة". وحذروا من "خطورة هذا الزواج على الزوجات والأبناء وهضم حقوقهم، لأنه غالباً ما يتم سراً"، وقالوا إنه لا يخدم إلا الرغبة الجنسية.
وكانت لفتوى إباحة "المسيار" تداعيات أخرى في "السعودية"، فقد تحفظت إحدى السيدات عليها في حديث نشرته "الشرق الأوسط" وقالت إن "قنبلة المجمع الفقهي أشد فتكاً من قنبلة إيران". وأضافت أن المجمع بهذه الفتوى "سيتسبب في زعزعة استقرار الأسر". وكان الأجدر به "أن يناقش موضوع انتشار الطلاق في المجتمعات الإسلامية"، مشيرة إلى أن "المطلقات في السعودية يعشن على المساعدات التي تقدمها الجمعيات الخيرية لهن". بينما رأى مأذون عقود زواج في السعودية، أن هذه الفتوى ستزيد من حجم هذه الصيغة من الزواج على الرغم من وجودها في المجتمع السعودي، لكن الفتوى ستزيد من حجمها.
ومع احترامنا لوجهة نظر العلماء الذين أباحوا "المسيار" كنت أتمنى تأجيل إصدار فتوى في مثل هذا الزواج، لأنه -أولاً- ليس من الأولويات الملحّة، إذ أنه غير منتشر في الأوساط العربية ما عدا المملكة العربية السعودية، وهناك قضايا أكثر إلحاحاً وأهمية، ومنها قضية ارتفاع معدل الطلاق خليجياً، إذ وصل في السعودية إلى 48% وفي الكويت 38% وفي قطر 36%، والمعدل الخليجي المتوسط (35%)، فكان الأولى أن يحظى موضوع الطلاق باهتمام المجمع من زاوية: كيف نحد من انتشار ظاهرة الطلاق في المجتمع الخليجي؟ وثانياً: لا يكفي أن ننظر إلى "القضية" من ناحية اكتمال أركان وشروط عقد الزواج لنحكم عليه بالجواز أو عدمه، ولكن الأهم هو تناول القضية محل البحث، من جميع جوانبها التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والنفسية. فزواج "المسيار" وإن استوفى الشروط والأركان الشرعية، لكن في انتشاره في المجتمع تداعيات سلبية ضارة تفوق نفعه بمراحل. ومن واجب الفقيه أن يكون متبصراً لأبعاد فتواه وبخاصة من الناحية الاجتماعية. والسؤال المطروح بإلحاح: لماذا اللجوء إلى زواج "المسيار" وهو الزواج الذي يتم في السر غالباً، ويفتقد شرطاً أساسياً وهو شرط "العدالة" بين الزوجات؟! لماذا زواج "المسيار" ما دام "التعدد" جائزاً ومباحاً شرعاً وعرفاً في المجتمع؟! لماذا الهروب من "التعدد" الواضح المعلن إلى "زواج" مريب تحوطه الشكوك وعلامات الاستفهام؟! والجواب لأن الزوج يريد إخفاء أمر زواجه على زوجته! ولذلك يحرص على أن يتم هذا الزواج في السرية والخفاء هرباً من المساءلة أمام زوجته وأولاده.
وفي تصوري وقناعتي، أن ما يتم في السر والخفاء هو "الإثم" مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "الإثم ما حاك في الصدر وخشيت أن يطلع عليه الناس". وزواج "المسيار" نوع من زواج "الإثم" وإن استوفى الأركان. ثم إن هذا الزواج ضد مقاصد الشرع في الزواج، لأنه لا يكوّن أسرة مستقرة تنعم بالمودة والأمان، ولا يصلح أن يكون "محضناً" تربوياً للنشء، وأتصور أن من يتجاوز الزواج الشرعي المعروف إلى "المسيار" من غير حاجة ولا ضرورة إنما يفتقد (4) خصال:
الأولى: خصلة عدم الوفاء للزوجة التي وقفت معه في السراء والضراء، فكانت مكافأتها وردّ إحسان عشرتها، الزواج عليها من غير علمها. والخصلة الثانية: الكذب، فالزوج يسمح لنفسه أن يكذب على زوجته فينكر زواجه، وليس ذلك من أخلاقيات الإسلام في شيء، وما سمح الإسلام للزوج أن يكذب على زوجته إلا في أمر من قبيل المجاملة لها، كأن يقول لها: ما أطيب طعامك! ما أحسن ملابسك! وقد يكون على غير الحقيقة، ولكن ذلك مطلوب من باب التودد، ولكن الإسلام ما سمح للزوج أن يكذب على زوجته في أمر مصيري يتعلق بها وبمستقبلها ومستقبل الأسرة والأولاد! ترى ما موقف هذا الزوج عندما يكتشف أولاده أنه تزوج