أصبح معروفاً ومنتمياً للوعي الفكري الشائع أن أحداثاً جديدة كبرى دخلت في حياة العالم الراهن، وأصبحت فاعلة فيه بقدر كبير ومتسارع. كما اتضحت هُوية هذه الأحداث، بحيث نشأ إجماع عمومي منطلق من أنها كانت بمثابة تدشين للنظام العالمي الجديد ذي النسيج العولمي والذي وجد حاضنته الأولى في الولايات المتحدة الأميركية. أما الأكثر حسماً ضمن تلك الأحداث، فقد تبلورت في ثلاثة، هي انطلاق ثورتي المعلومات والاتصالات، ونتائج حرب الخليج الثانية، وتفكك الاتحاد السوفييتي من حيث هو نظام سياسي شمولي.
وقد قادت تلك الوضعية الجديدة إلى نشوء إرهاصات أولية على صعيد العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية والعسكرية والأيديولوجية. وراح باحثون يلاحظون تحولاً عميقاً على صعيد المعرفة والسلطة المعرفية، جعلهم يستنبطون منه حالة اعتبروها معياراً جديداً لتحول العالم الراهن. أما هذه الحالة فقد صاغوها بمفهوم"الثورة المعرفية"، التي قلبت الموازين رأساً على عقِب في ترتيب أولويات الوجود المجتمعي. وقد عبّر ألفن توفلر عن ذلك في رؤيته لما حدث ويحدث، حين كتب في كتابه "تحول السلطة بين العنف والثروة والمعرفة" ما يلي: هنالك ثورة تجتاح عالم ما بعد بيكون، وما كان بوسع أي عبقري في السابق (لا سن تسو ولا مكيافيلي ولا بيكون نفسه) أن يتصور ما تشهده هذه الأيام من منحى عميق في تحول السلطة، أي هذه الدرجة المذهلة التي أصبحت بها القوة والثروة تعتمدان على المعرفة. ويتابع الكاتب معلناً: إن المعرفة نفسها ليست المصدر الوحيد للسلطة فحسب، بل إنها أيضاً أهم مقومات القوة والثروة.
وقد انطلقت هذه الأطروحة لتغزو جموعاً من الباحثين والمثقفين والسياسيين في بلدان كثيرة، من ضمنها بعض البلدان العربية، وكان من هؤلاء الباحث محمد جابر الأنصاري، الذي كتب ما يلي في كتاب أصدره عام 1988 بعنوان: العالم والعرب سنة 2000: من هنا، ولأول مرة في تاريخ العالم، أصبح رأس المال وحده عنصراً غير حاسم في العملية الإنتاجية. وأصبح النشاط الذهني بمادته وقدراته المعلوماتية هو أساس الإنتاج، في حين أصبح رأس المال الذي كان أساس الإنتاج مجرد عنصر من عناصره ولم تعد له الأولوية الرئيسية.
وعلى هذا الأساس، ظهرت اتجاهات للتحدث عن "المجتمع المعلوماتي والاقتصاد المعلوماتي"، مما استدعى إقصاء المصطلحات الاقتصادية والسياسية، التي عبرت عن أنماط المجتمعات البشرية، ومن ذلك مصطلح "النمط الاقتصادي الرأسمالي". ويأتي ذلك في سياق التيار العولمي الذي يقدم نفسه تحت حدّ "المابعديات": ما بعد الوطنية والعقلانية والرأسمالية والصهيونية.
ها هنا، يجدر بنا العودة إلى مقولة معرفية- سلطوية قدّمها، في حينه، الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون، وضبطها على النحو التالي: المعرفة قوة! وقد عبرت هذه المقولة، إبّان ذلك، عن مطامح المجتمع الفتي البرجوازي، الذي راح يبحث عن مسوغات ومعايير تضبط مسار "المعرفة"، فوجدها في "القوة" الفاعلة والقادرة على التأسيس لمعرفة أرضية وضعية، مقابل "المعرفة الماورائية". والآن مع ظهور ثورتي المعلومات والاتصالات في سياق النظام العالمي الجديد، تكتسب مقولة "بيكون" راهنية جديدة ولكن كذلك- وهنا أهمية المسألة- بعداً جديداً نوعياً نوعيّة الشرط التاريخي الجديد: لقد أخذت "المعرفة" تظهر بصيغة جديدة وبوتائر جديدة غير مسبوقة بفعل التحولات العظمى، التي راحت تُفصح عن نفسها معرفياً وسياسياً واستراتيجياً. ولكن التطور الذي راحت المعرفة تعيشه لم يتمكن- ولعله لن يتمكن- من أن يجعلها تُمسك بالموقف الإنتاجي من حيث الأساس. فأنْ "يصبح النشاط الذهني بمادته وقدراته المعلوماتية هو أساس الإنتاج"، كما يرى الباحث محمد جابر الأنصاري في كتابه المذكور سابقاً، إنما يعني إقصاء العلاقات السوسيو-ثقافية والاقتصادية، التي تضبط ذلك النشاط وتكمن وراءه وتحفزه أو تقف في وجهه.
إن الوصول إلى تلك النتيجة يمكننا من وضع اليد على أحد المواقف، التي يعلنها راهناً النظام العالمي الجديد "العولمي"، وهو أننا نعيش الآن عصر "ما بعد الرأسمالية"، الذي أصبح أو يصبح منتمياً إلى "التاريخ القديم المنصرم". وحيث يؤخذ بهذا الموقف، فإن مواقف أخرى تصبح مرشحة للبروز وللدفاع عنها، مثل "نهاية الاستغلال والاغتراب والتنميط" الإنساني، إضافة إلى نهاية الصراع الضمني أو المعلن بين الشمال والجنوب وتحول الولايات المتحدة إلى "حَمَل" ينثر ثمار الديمقراطية هنا وهناك من العالم. إن التحدث عن "الثورة المعرفية" بمثابتها البديل الحاسم عن العوامل والفواعل الناظمة للمجتمع العولمي الجديد، يقدم صيغة تحتاج تدقيقاً عميقاً لصالح المصداقية المعرفية.